الدكتور خالص جلبي لـ"التجديد": الحركة الإسلامية المغربية تتمتع بتعددية حقيقية وتتعايش العديد من الأفكار داخل سقفها
يشرح خالص جلبي في هذا الحوار الدواعي التي دفعته إلى كتابة ”في ضرورة النقد الذاتي” ويستعرض ثلاث مهمات قام بها في الفكر الإسلامي، مهمة المعادلة بين العلم والإيمان، ومهمة لفت الانتباه إلى أهمية التفكير الاستراتيجي، ونظرية اللاعنف، بالإضافة إلى مسألة النقد الذاتي، ويرفض خالص جلبي أن يناقش الانتقادات التي توجهت إلى نظريته ”اللاعنف” خاصة عند تعميمها على الحالة الفلسطينية، ولا يخفي إعجابه بالحركة الإسلامية المغربية التي كانت سباقة إلى اعتماد المراجعات التي دشنها في كتابه النقد الذاتي، وينوه بثلاث ميزات لهذه الحركة، ويتعلق الأمر بالتعددية الفكرية والانفتاح الفكري الذي تتميز به، والحضور الوازن للمرأة، بالإضافة إلى تميز تدينها على النموذج المشرقي.
كتابك ”في النقد الذاتي” كان له دور كبير في مسار الحركة الإسلامية لاسيما في المغرب العربي، والمغرب تحديدا، في البدء نريد أن تحدثنا عن الدوافع التي جعلتك مبكرا تطرح قضية النقد الذاتي في الحركة الإسلامية، والمقاصد التي كنت ترجو تحقيقها من تفعيل آلية النقد الذاتي داخل الحركة الإسلامية؟
هذا الكتاب له قصة، ذلك أن الأستاذ سعيد حوى رحمة الله عليه قبل أن يقضي نحبه كان يحمل مشروعا كبيرا لتغيير سوريا، وبدأ يستقطب الكثير من الكوادر والكفاءات، وقد بعث لي يطلب مني أن أشاركه في هذا التطلع الكبير، فأجبته لذلك ، لكني بعثت له رأيي في العمل الإسلامي، وكتبت فيما أذكر واحدا وعشرين صفحة، للأسف لا أحتفظ بنسخة منها، وقد ضمنتها عشرين ملاحظة لا أذكر تفاصيلها. كان ذلك في السبعينيات أي قبل أحداث حماة بنحو عقد من الزمن تقريبا، وقبل أن يبتلى بالسجن رحمه الله. وقد كنت أسجل ملاحظاتي في شكل أفكار، وكنت أصر على كتابتها وتسجيلها حتى يتم الاستفادة منها، وقد ظللت أنتظر جوابه مدة طويلة، لكنه لم يجب بشيء، لا تحسينا ولا تقبيحا، ويبدو أنه كان يريد أن يجمع الناس الذين يدورون حول فلكه ممن يعتقدون نفس أفكاره، ولذلك، كان مصير الأفكار التي أرسلتها له أنها لم تناقش ولم يتح لها حق التداول بين طليعة العمل الإسلامي وقتها. وعلى الرغم من أن أفكاري لم تلق جوابا، إلا أني عكفت على تأصيلها وتفصيلها، فكانت منطلق كتابي وخميرته الأولى، إلى أن انتهى في صيغته النهائية. وبالمناسبة، فالكتاب الذي بين أيديكم، هو مختصر ما انتهيت إليه مما كتبت في الموضوع، فالكتاب أصلا يضم أكثر من خمسمائة صفحة، أما الكتاب الذي بين أيديكم فهي نسخة مضغوطة لا تتعدى ثلاثمائة صفحة.
وقد جمعت في هذا الكتاب المفصل كل أفكاري وملاحظاتي عن العمل الإسلامي وشروط ترشيده وتصويب مساره، ثم هاجرت بعد ذلك إلى ألمانيا، بعد أن اشتدت الأحداث، ومن هناك أرسلت النسخة الأصلية إلى رجل معتبر في العمل الإسلامي هو الشيخ عصام العطار، وكان ذلك تحديدا في سنة ,1975 غير أني، لم أتلق منه أي رد أو تفاعل مع مضمونه أو ملاحظاته، فأيقنت أن حجم الأفكار الموجودة فيه يمكن أنه تناقش في حلقات ضيقة، لكن أن تنشر أو تروج أو تنزل إلى قاعدة التنظيم، فهذا غير ممكن لأن التنظيم لا يمكن أن يتحمل هذه الأفكار، وأنه إن حاول ذلك فأكيد أنه سوف ينسف من الداخل. ومن ثمة، توصلت إلى إدراك لا زال يرافقني إلى اليوم، وهو أننا لحد الآن لم نفتح ما يمكن أن نسميه طريقا سيارا داخل الفكر الإسلامي، تتحرك فيه الأفكار فتمضي وتروح من غير أن تحدث رجات تقلب الطاولة، طريق سيار تناقش فيه الأفكار الكبيرة.
بعد وصولك إلى هذه القناعة والإدراك، ما هي المهام التي أخذت على عاتقك القيام بها لتجاوز هذه الإعاقة التي لن تصب حسب تقديركم الحركة الإسلامية وإنما الفكر الإسلامي برمته؟
أنا أزعم لنفسي، أني قمت بثلاث مهام ريادية في الفكر الإسلامي، الأولى، وهي شق الطريق لإيجاد معادلة بين العلم والإيمان، فكتبت ”الطب محراب الإيمان” الذي توسع أكثر من مرة، والآن هو في طريقه إلى أن ينزل في شكل موسوعة ربما تصل إلى عشرين مجلدا، أما المهمة الثانية، وهي أنني شقيت الطريق نحو مشروع نظري استراتيجي يهتم بترتيب أولويات العمل وفق حاجات كل بلد، إذ لا ينبغي للحركة الإسلامية أن ترتهن إلى العمل اليومي، ولا أن تأخذها الأحداث التي تنغمس فيها، ولا أن تغتر بما كسبت في هذه الانتخابات من مقاعد، فهذه المكاسب لا تساوي شيئا في غياب رؤية إستراتيجية تحدد أولويات المرحلة، و يكون معيار القياس والتقويم هو ماذا تحقق وبأي نسبة مما هو مسطر في أولويات هذه الحركة. ولذلك، حين كنت ألتقي بعض الإخوة والأخوات في المغرب، كنت أبادرهم للسؤال: ما هو الشيء رقم واحد الذي تضعونه على رأس أولوياتكم؟ ومن ثمة، فالمطلوب من الحركة الإسلامية، أن يفتح صدرها ليس فقط لقبول الرؤية الإستراتيجية، ولكن لتبنيها ودفع عشرات الأطر للتخصص في التفكير الاستراتيجي. فالحركة الإسلامية التي لا تمتلك أدمغة واستراتيجيين لا يمكن أن يعول عليها في البناء والتدافع. ولذلك، يبدو أن أول شيء ينبغي للحركة الإسلامية أن تهتم به هو أن تنشئ مراكز للدراسات الاستراتيجية، أما المهمة الثالثة، فأنا أعترف فيها بأستاذية جودت سعيد، إذ لولا هذا الرجل، ما أظن أنه كان بالإمكان أن يتبلور عندي القناعة بهذه المهمة، ويتعلق الأمر بقضية اللاعنف، وأعتقد أن الفكر الإسلامي لا زال يحتاج في هذا الصدد إلى بلورة نظرية قوية متراصة متكاملة في الموضوع، تقرأ النصوص القرآنية والحديثية الخاصة بالقتال والجهاد على أرضيتها، وهي مهمة بذل فيه الأستاذ فاضل المهدي جهدا كبيرا، إلا أن الورشة لا زالت مفتوحة، ولا زال ينتظرنا فيها عمل كبير.
وماذا عن قضية النقد الذاتي داخل الحركة الإسلامية، أليست هي كذلك ضمن هذه المهام التي كنت سباقا إلى طرحها؟
كتاب النقد الذاتي تخمر في ذهني تقريبا سبع سنوات، مثل ما تخمر كتاب ”الطب محراب الإيمان”. لكن إذا كان الطب محراب الإيمان رزق قبولا واسعا وتلقاه الجمهور العربي والإسلامي الكتاب بحفاوة كبيرة وطبع عدة مرات ولا زال يطبع إلى الآن، فإن كتاب النقد الذاتي أحدث إزعاجا كبيرا لبعض الحركات الإسلامية خاصة في منطقة المشرق العربي التي أصدرت قرارا وجهته إلى أعضائها والعاطفين عليها تحظر فيه شراءه وقراءته، واعتبروني متمردا ومارقا أو شبه مجنون.
وهل كان الكتاب سبب خروجك من جماعة الإخوان المسلمين بسوريا؟
لا، ليس الأمر كذلك، فتجربتي داخل الإخوان المسلمين يمكن أن أحكيها لك باختصار. كنت أحضر معهم في بعض الحلقات التربوية التي كانوا يحفظون فيها خمس آيات ويقرؤون حديثين ويختصرون كتابا وما عدا ذلك لا تكاد تجد شيئا، وكنت لا أرى في هذا العمل ما يجذبني إليه، بل كنت أرى أن هذا العمل ليس وراءه أي طائل، وأتذكر أنني في أول اجتماع لي معهم، وكنا وقتها في الجامعة، كانوا يأتون ببعض الكتب المقررة علينا ويقرؤونها علينا، وكنت أستاء من ذلك وأعبر لهم عن عدم رضاي بهذا العمل الذي لا أرى أي إبداع فيه، بل إنه كان يبعث على السخرية والضحك، وكنت أقترح أن يتم دفع الطلاب إلى البحث والإبداع بدل التقليد وبرمجة مقررات تقرأ بشكل مكرور لا يقدم شيئا في ميزان الإبداع والتجديد. فكنا بدل أن نجمع عشرين أو ثلاثين بحثا وننظر إلى ما تتضمنه من أفكار ونجتهد في إنتاج خلاصات لها، كنا نقرأ كتاب المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم للأستاذ أبي الأعلى المودودي، ويتم بناء تفكير هؤلاء الشباب على أساس المفاهيم التي يصوغها هذا الكتاب، والغريب، أني قبل هذه انطلاق الحلقة التربوية، قرأت الكتاب في خمس ساعات، وسجلت ملاحظاتي على مباحثه، فما انطلقت الحلقة، كان الذي تصدر لإلقاء الدرس غير محضر ولا مستوعب لما تضمنه الكتاب من مفاهيم، فكانت هذه بداية ملاحظاتي على منهجية لا تتأسس على قواعد العلم. وقد وجدت بعد ذلك أني أضيع وقتي، وكنا نطرح العديد من الأسئلة حول الجدوى من تبني أفكار سيد قطب، وما إذا كان القصد عند الحركة الإسلامية في سوريا هي قلب نظام الحكم بالقوة المسلحة، وكانوا ينفون عنهم ذلك، ويقولون إنهم لا يؤمنون باستعمال القوة العسكرية لتغيير النظام السياسي، وقد كانت ملاحظاتي على هذا التنظيم أنه تنظيم يحمل اسما كبيرا لكنه تنظيم هش، وفوق ذلك هو تنظيم سري عبارة عن خليط ممن يؤمن بفكرة قلب النظام، ومن يتبنى التغيير السلمي، يتمتعون بأخلاق عالية وأدب رفيع إلا أني لم ألمس في هذا التنظيم جدية في مسألة التغيير، ولذلك نفضت يدي من هذا التنظيم بسرعة، إذ لم أشتغل معهم أكثر من ثلاث سنوات، ثم غادرتهم واتصلوا بي مرة
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ