البشرية في حاجة إلى رؤية جديدة وعميقة في معنى الدين في حياة الإنسان

كتبهانزهة المكي ، في 22 سبتمبر 2008 الساعة: 04:57 ص

البشرية في حاجة إلى رؤية جديدة وعميقة في معنى الدين في حياة الإنسان

خطبة الجمعة للسيد علي رافع

حمداً لله ، وشكراً لله ، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله .
الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ..
الحمد لله ، والحمد دائماً لله ، والشكر دائماً لله ، والصلاة والسلام على رسول الله .
عباد الله : يكثر الحديث في أيامنا هذه عن معنى الدين ، وعن مرجعية الدين ، وعن علاقة الدين بالدولة وبالمجتمع وبالإنسان . الدين من ناحية أنه قانون الحياة ، وأنه الذي ينظم ارتقاء الإنسان لما هو أعلى ، أو تدني الإنسان لما هو أدنى حين يترك ما يحييه وما يقويه .. من خلال هذا التعريف نجد أن الدين مرتبطٌ بكل شيءٍ في حياتنا ، في كل معاملاتنا ، في كل أحوالنا ، في كل أمرٍ من أمورنا ، ولكن مشكلة الإنسان أنه حين يعتقد أن مفهومه هو الدين ـ بشكلٍ ما وبصورةٍ ما وبتطبيقٍ ما ـ فإنه يرفض أي تطبيقٍ آخر وأي مفهومٍ آخر ، ومن هنا لجأ البعض إلى أن يخرجوا كلمة الدين من حياتهم المدنية والمادية ، حتى لا يستأثر أو تستأثر مجموعةٌ بتفكيرها وتقول: أن هذا هو الدين ، ومن هنا يشعر الإنسان أن هذه أو أن هذا الاتجاه الذي يفصل بين الدين وبين حياة الإنسان المدنية والمادية والأرضية هو أمرٌ غير حقيقي.
فهناك إشكالية في أرضنا ـ ليس فقط في مجتمعنا ولكن في كل المجتمعات ـ حيث أن كلمة الدين قد التصقت بممارساتٍ ما ، غير مقبولة بل ومرفوضة من كل إنسان ذي عقل سليم . فباسم الدين سيطر رجال الكهنوت في الغرب على مجتمعاتهم ، وباسم الدين ارتُكبت كثيرٌ من المجازر ، وقامت حروبٌ كثيرة قتل فيها الكثيرون باسم حكم الدين وحاكمية الدين ، وهذا ما أدى إلى هذا الاتجاه المعاكس الذي يصل في أقصاه إلى رفض الدين كليةً جملةً وموضوعاً ، نحن في حاجةٍ إلى فكر ٍجديد وإلى رؤيةٍ مستقبلية لهذه البشرية ولهذه المجتمعات ، نظرةٌ جديدة وعميقة إلى معنى الدين في حياتنا ، وإلى معنى الدين في وجودنا ، وإلى معنى الدين في ممارساتنا. الدين ينبع من الصدق ومن اجتماع الصادقين ، من الأمة التي تجتمع على هدفٍ نبيل وهو تكريم الإنسان على هذه الأرض ، وإعداده حتى يكون في معنى تحقيق رسالته عليها . إنها السياسة والمنهج الذي يُعِد الإنسان لآخرته ، وليس إعداد الإنسان لآخرته هو في عباداتٍ بعيدةٍ عن مجتمعه ، أو في مناسك شكليةٍ مُحددة ، أو في صورةٍ من المعاملات مطلوبة ، إنما هي في حياته ككل ..
إن منتهى الإعداد للآخرة هو منتهى الإعداد للدنيا:
خير الناس أنفعهم للناس
هذا شقٌ أساسي ، إذا اكتمل معه اعتقاد الإنسان في أن تعامله مع الله و في أنه يهب كل ذلك لحياته المستقبلية:
لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا [الإنسان9]
فإذا كان هناك عطاءٌ له فهو يرى أن الله هو المعطي ، وإذا كان هو يقدم فإنه يرى أن الله هو الذي يقدم ، ويفهم نظرية الخلافة على ذاته:
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة 30]
مطلوبٌ منه أن يكون محسناً لأقصى درجة في كل ما يفعله ، وأن يكون قادراً على العطاء في كل المحن والظروف ، وأن يكون سائلاً الله أن يعوضه خيراً عما يفعله في الدنيا وفي الآخرة ، لذلك فإن ممارسة الإنسان الصادق لخير أمته هو جوهر الدين ، وأن ما يصل إليه المجتمعون على خير الأمة هو جوهر الدين ، وأن النصوص التي بين أيدينا إن فهمناها بعمق سوف نجد أنها تعبر عن ذلك ، فمعانيها هي المقصودة ، وليست أشكالها وليست صورها ، والمجتمع المسلم حقاً هو الذي يجد الآليات التي يطبق بها هذه المعاني . ولا يستطيع مجتمعٌ أن ينهض بذلك وهو يعتمد على مقولة أن للدين علماءه .. فعلماء الدين الذين يفسرون النصوص في إطارٍ محدودٍ مقيدٍ بالصور التقليدية ، والذين هم متأثرون بخلفياتٍ تاريخية وبنظراتٍ سلفية ، هؤلاء غير قادرين على أن ينظروا نظرةً كلية شاملة ، إلا القليلين منهم الذين استطاعوا أن يخرجوا من هذا الجمود ، ونظروا نظرةً متعمقة في نصوص دينهم ، نحن في حاجةٍ إلى مثل هؤلاء ، وبهذا لن يكون الدين أبداً سبباً في تعارض مصلحةٍ للأمة ، وإنما سيكون نبعاً ونهلاً يأخذ منه العلماء ما يفيد الأمة ، دون أن يكون لمفهومهم صبغةً مقدسة ، إنما هو مفهومٌ فهموه ، ويمكن أن يفهم آخرون فهماً آخر .. لذلك فحين ندرك هذا المعنى سوف ندرك أن كل إنسانٍ يعمل من خير أمته يجب أن تكون له مرجعية دينية ، وليس مجموعةٌ واحدة ، إن كل إنسانٍ قال أو لم يقول – إذا كان يعمل من خير مجتمعه –
فالدين هو الصلاح والفلاح ، الدين ليس نظرةً واحدة ، وليس رؤيةً واحدة ، وليس تطبيقًا واحداً ، إنما هو تطبيقات متعددة ورؤى مختلفة ..
فحين نقول مثلاً أن العدالة هي أساسٌ من أسس الحكم ، فهذا لا يختلف عليه اثنان ، وإنما تطبيقاته لها صورٌ مختلفة في النواحي الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية ،
فلا يستطيع إنسان أن يقول أنا أحتكر نظرة الإسلام بتطبيق العدالة ، بل أن كل نظرةٍ وكل فعلٍ يحقق العدالة هو تطبيقٌ إسلامي ، بمفهوم أن الإسلام هو قانون الحياة ، هو ما يحب الإنسان ، هو ما يفضل الإنسان ، هو جوهر الإنسان ، وليس بالمفهوم الضيق لشكلٍ معين في الدين وتطبيقه ، إننا نريد أن نتحرر من هذه النظرة الضيقة إلى ديننا ، وفي نفس الوقت لا نريد هذه النظرة التي تُخرج كلمة الدين من حياتنا ، نريد حالاً يجمع بين مفهوم الدين ببعده الحقيقي ، وبين التطبيق السليم الذي يحقق خير البشر ، هذا التطبيق يمكن أن يتغير ويمكن أن يتبدل طبقاً لأحوالٍ مختلفةٍ ومتعددة ، إنما الهدف في النهاية هو إصلاح الإنسان لربه ، هو إعداد الإنسان لآخرته ، الذي يتزامل معه ـ تزاملاً وارتباطاً وثيقاً ـ إصلاح الإنسان لأرضه ولدنياه .
عباد الله : لعل ما يحدث حولنا الآن يكون سبباً لمولد فهمٍ جديد ، تُصلَح به حال الأمة لتكون أفضل ، ولتكون أحسن ، ولتكون أقوم ..
عباد الله : نسأل الله أن يجعل منا أداة خيرٍ وسلامٍ ورحمة لنا ولمن حولنا ، وأن يجمعنا على ذكره ، وعلى طلبه ، وعلى مقصود وجهه ..
فحمداً لله ، و شكراً لله ، وصلاةً وسلاماً عليك يا رسول الله .
——————-
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله .
عباد الله : ما أردنا أن نقوله اليوم : أن الدين وهو منهج الحياة - منهجٌ لأن يحيا الإنسان - هو مرتبطٌ ارتباطٌ وثيق بكل حياة الإنسان ، بكل معاملاته ، بكل أحواله ، مرتبطٌ بسياسة المجتمع وتوجيهه إلى الطريق القويم ، مرتبطٌ بكل القوانين التي تحكم حياته ، ولكن ليست بالصورة التي تُقَدَّم اليوم في بعض الأحيان ، من تصورٍ مُسَبَّقٍ لما يجب أن تكون عليه هذه القوانين ، وهذه السياسات التي تتسق مع الدين .. فالدين هو معنىً أعمق وأشمل وأقوم من أي شكلٍ محددٍ يصوغه الإنسان أو يفهمه الإنسان ، إنه معاني الخير والصلاح والفلاح والأفضل والأحسن والأقوم ، كل المعاني الجميلة التي يجتمع الناس عليها جميعاً ولا يختلفون حولها. التطبيق يختلف، ولا يوجد شيء (يعطي الحق المطلق لأحد أن يقول) أن هذا التطبيق هو الدين ، وأن التطبيق الآخر ليس من الدين في شيء ، فإذا كانت هناك حاجة لهذا التطبيق بصدق ، فهو من الدين ، بل أننا لا يجب أن يشغل بالنا هذا التعبير اللفظي ، إنما علينا أن نبحث عن الأقوم والأحسن والأفضل والأصلح للمجتمع.وقد قال بعض الفقهاء في سابق : (أخبروني أين مصلحة الناس ، وأنا أقول لكم كيف يكون هذا من الدين) ، فإذا كان الأمر كذلك فلا يجب أن ننشغل بهذه الحرفية الشديدة ، وإنما يجب أن يكون هدفنا هو إصلاح المجتمع ، وإكبار كل قيم الجمال والخير والصلاح والفلاح ، ولا يمنعنا ذلك كأفراد أن نلجأ إلى نصوص ديننا ، كلٌ ينهل مما فيه من معانٍ حية ، يأخذها إلى داخله ويتعرض لنفحاتها ولرحماتها لتتفاعل مع ما فيه من صلاحٍ وفلاح ، فتخرج أفكار تصلح وتغير وتبدل ، لا لمـجرد النقل أو التقليد الأعمى ، وإنما بالتفاعل الحقيقي مع الجوهر السليم في الإنسان ، وهذا هو الذكر ، ومطلوب من كل فرد أن يكون ذاكراً .. فالذكر يغير الإنسان ، ويجعله يخرج بأفكارٍ نافعةٍ فالحةٍ صالحة ، فهذه الأفكار هي نتاج ذكره ، ونتاج ما يرى في المجتمع حوله ، يتفاعل فيه كل ذلك فيُخرج ما يفيد ، هذا هو الفقيه الحقيقي ، هذا هو العالم الحقيقي .. ليس العالم هو من يردد أقوال الآخرين ، إنما هو من يستوعب جميع الأفكار في داخله ويستوعب احتياجات الناس حوله ، ويكون قادراً أن يتفاعل مع كل ذلك ليخرج ما يفيد الآخرين .
عباد الله : نسأل الله أن يوفقنا جميعاً ، أن يوفق كل قادرٍ في هذه الأمة أن يقدم أحسن ما عنده ، وأن تتغير نظرتنا إلى معنى العلم وإلى معنى الدين ، إلى معنىً كريم بدلاً من هذه المعاني التي تلوكها ألسنتنا دون وعيٍ ودون فهم ، وأن نفهم جيداً ونقدر معنى العالِم ، وأن نجعل مجتمعنا مجتمعاً حراً تتداخل فيه كل الأطياف وكل الاتجاهات ، فمن خلال هذا التداخل تولد المعاني الجيدة ، ويولد العلماء الصالحون ..
اللهم وهذا حالنا ، وهذا قيامنا ، نتجه إليك ، ونتوكل عليك ، ونوكل ظهورنا إليك ، ونسلم وجوهنا إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك .
اللهم فاكشف الغمة عنا ، وعن بلدنا ، وعن أرضنا .
اللهم ادفع عنا شرور أنفسنا ، وشرور الأشرار من حولنا .
اللهم ألف بين قلوبنا اللهم أحيي قلوبنا .
اللهم ألف بين أرواحنا اللهم طهر أرواحنا .
اللهم زكي نفوسنا اللهم أثلج صدورنا .
اللهم اجعلنا لك خالصين ، لوجهك قاصدين ، معك متعاملين ، عندك محتسبين .
اللهم ارحمنا ، واغفر لنا ، وأعف عنا .
رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ [آل عمران 193] .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر