بيت العز .. يا بتنا .. !

كتبهانزهة المكي ، في 20 فبراير 2007 الساعة: 21:29 م

 بيت العز .. يابيتنا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ا

بيت العز .. يابتنا ، طبعا ليس هذا الذي في الصورة ، فهذا بذخ و ترف لا أدعيه ، لكن ما جعلني أكتب تحته هذه السطور هو كونه تحفة أبدعها ذلك الصانع التقليدي المغربي البسيط و الذي لا ياخذ حقه في التكريم و لا الوفاء ، بل قد لا يسمح له بأن يطأ ساحة إبداعه هذه بعد أن استوطنها علية القوم و صارت بلاطا عامرا لا يفتح بواباته لأمثاله

أحيانا و أنا أتجول في بيتي الصغير ، و الذي لا يصل في مساحته الإجمالية مساحة صالة واحدة من صالات هذه التحفة ، أتوقف عند بعض القطع التقليدية التي تيسر لي اقتناؤها ، و التي أصفها دوما بالتحف ـ  ليس لغلاء سعرها فهي غالبا ما تكون ميسرة للجميع و إنما لكونها إبداعا يدويا لصانع تقليدي بسيط بث فيها من روحه و ذوقه الرفيع الذي ينضح بالبراءة و البساطة و الوضوح أيضا.. ذلك الذوق الذي تصرخ به ألوان إبداعاته.. تلك الألوان التي لم تشأ المواربة أو التزييف ، فالأحمر أحمر صارخ ، و الأخضر أخضر و البرتقالي يصفع العين ، و كل هذا يعكس فطرته التي لم يجتحها إعصار الحضارة ذلك الإعصار الذي ضرب أذواقنا و ميولاتنا فأصابها بالضبابية ، و الرمادية بعيدة عن صدق الأبيض الصافي أو سواد الكراهية القاتم لتضعنا في في حيرة من أمرنا نعيش دوما بين الماء و بين النار .. نرسم من الابتسامة نصفها .. ونفرح بقلوب مرتجفةخائفة .. تحاول أرواحنا التحليق في الأعالي .. فتجد نفسها مثقلة بالأزمات .. مشدودة إلى غياهب اليأس بشتى العقد

بيت العز .. يا بتنا .. أجل ذلك الذي تجرني هذه التحف إلى ذكراه و يجتاحني الحنين إلى الحياة التي كانت تعمره ذلك البيت الذي كان يشمخ في صدر حارة قديمة من حارات مدينة مكناس العريقة ، مكناسة الزيتونة أو العاصمة الإسماعيلية ، والكل في مغربنا العظيم  يعرفها و يعرف مكانتها في التاريخ .. كان بيت العز هو بيت خالي حسب الأوراق الرسمية لكنه كان في الحقيقة بيت أشراف المدينة .. ولا أقصد بالأشراف أولائك الأعيان أو الأثرياء، و إنما أقصد بالأشراف كل الذين شاركوا في معركة التحرير .. تحرير الوطن من الاستعمار الفرنسي ، و الذين وجدوا في بيت العز ملاذهم في تلك المحنة،  يأوون إليه ليجتمعوا بكلمتهم و سلاحهم و عزائمهم وقبضات سواعدهم السمراء ليوجهوا الضربات القاسية للمحتل ، كانوا كلهم سواسية من عمال  قهرهم استغلال أثرياء الاستعمار ، وحرفيين ودعوا ورشاتهم الصغيرة إلى حين ، و أعيان أرادوا الدفاع عن كبريائهم و الذود عن تاريخ أسلافهم و حماية معاقلهم ، وحتى من كانوا من مخلفات عهد الرقيق من خدم و جواري ، كل أولائك اجتمعوا ببيت العز و تلاشت بينهم الفوارق الطبقية ،  لا يحظى بينهم بعلو الشأن و الرفعة إلا من يبرهن على شجاعة نادرة ويلحق بالعدو المحتل أقسى الضربات 

توحدت الكلمة .. و تلاشت الطبقية .. و تعانقت السواعد ، دون أن تميل في تعصب نحو أقصى اليمين أو أقصى  اليسار .. فتحقق النصر و تم الخلاص من الاستعمار .. ثم عاد كل إلى داره ليسكن إليها و يتغنى بالنصر .. مجللا بعزة الانتصار

 

 

 

 

عندما جئت لهذه الدنيا كانت تلك الملاحم قد اكتملت سطورها ، وطويت في كتاب الزمن في انتظار من يستذكرها ، لكنني ورغم حداثة سني كنت أرى صورا لها واضحة ناطقة في وجه أمي   " واضحة " أجل هي أمي بالرضاعة و اسمها " واضحة " هذا الأسم الذي لم يفارق ذاكرتي أبدا رغم أن صاحبته ماتت منذ عقود خلت .. أمي واضحة ، تلك الجارية السوداء التي كانت تعيش ببيت خالي و كانت تنوب عن جماعة الحريم الأحرار في المقاومة  تضمد جراح المصابين ، وتطعم المقاومين ،و تمشي في جنح الليل متسترة بحلكته و لونها الأسود لتوصل الرسائل … وبعد ان تم النصر زوجها خالي  من رجل حر شريف مثلها  لتنعم بحياتها كأي امرأة فكان لي شرف التآخي من ثديها بآخر أولادها

و أنا أقف أمام تحفتي الصغيرة أستذكر تلك الأحداث .. كل ذلك الزمن الحر .. بأبطاله  و بطولاته ، ولا ينتزعني منه سوى سماع صوت نشاز لأحد من يسموهم اليوم بالمطربين وهو ينعق بكلام و لحن ليس لهما من الحلاوة أدنى نصيب .. يتسرب إلي في وقاحة من فتحة الشباك أو من خلف باب الدار حتى وإن كانت موصدة فالناس لم تعد تحترم أذواق الغير فترفع صوت مذياعها بالأغنية التي تحبها لتقتحم بها أسماع الكل رغم أنوفهم

فأذهب للتلفاز و أقلب قنواته لعلي أسمع أو أرى بإحداها خبرا عن بيت العز .. ليس بيتناهذه المرة ولكن بيت عز آخر قد يكون في إحدى حارات دمشق ، أو مصر أو حتى العراق أو فلسطين .. بيوت العز و العزة التي مازالت قائمة تستصرخ أحفادها الذين ضلوا الطريق .. طريق النصر و العزة .. وانقسموا شيعا .. تقاذفتهم الرياح يمينا و يسارا .. يرمون رميتهم بأياد مرتجفة فتستقر الرمية في صدورهم ، يحومون حول بيت العز و يترددون في طرق أبوابه .. يكابرون في طلب الدخول إليه .. و يستأثرون التسكع في الأزقة الضيقة و الحارات .. يمشون على غير هدى و يستعذبون العيش في المتاهات

بيت العز مازال شامخا في قلب كل قطر عربي ..تنبض فيه حياة شهدائه  .. وتجلله عزة رجاله و نسائه فلوذوا به واجتمعوا بفنائه  .. و امشوا على درب أوليائه  .. درب الأخوة و العزة و النصر  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اجتماعية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “بيت العز .. يا بتنا .. !”

  1. دامت بيوت العز ورحم الله واضحة التي ارضعتك حليب المقاومة / وجعلت منكي اسيرة قول تشي جيفارا اينما يكون الظلم يكون موطني

  2. أشكر لكم هذه الدعوة و أعدكم بزيارة موقعكم ” النعمة ” للاطلاع فقط على ديانة بعض إخواني في العروبة ، و أنا اشارككم في محبة الله و الخير و السلام لكن بطريقة ديني الاسلامية التي لا انوي تغييرها و شكرا

  3. اولا امسح داك الاعلان التبشيري من تعليقاتك

    ثانيا الحمد لله الدي جعل لنا بيوتا للعز

    بارك الله فيك اخي

  4. حنين اسلوبك هايل ودامت بيوت العز لكل العرب والحمد لله الذي شفانا وعفانا وجعلنا مسلمين واشكرك على تعليقك الاكتر من رائع وزيارتك لمدونتي وان شاء الله اكون صديقه دائمه لمدونتك

  5. Warm welcome to Alnemat TheGrace Arabic Christian Internet Magazine, We love you! Please visit us at:

    http://www.TheGrace.net

    http://www.TheGrace.org

    http://www.TheGrace.com

    نتمنى لكم الفرح والسلام والمحبة لأن السلام افضل من الحرب والمحبة افضل من الكراهية كما ان النور أفضل من الظلمة

    سلام لكم في محبة الله.نتأمل زياراتكم الكريمة لموقع النعمة موقع مجلة النعمة يقدم كلمة الله الكتاب المقدس الإنجيل رسالة السيد يسوع المسيح قراءات مختارة مواضيع مصيرية قصص واقعية شهادات شخصية ترانيم ممتازة ردود مؤكدة كتب بنّاءة رسوم تسالي تأملات يوميات

    Bible Read search in Arabic Studys Stories Testimonies Hymns and Poems Answers Books Links Daily devotions Acappella Music Graphics /

    Alnemat Journal Arabe Chrétien La Grâce la Revue Arabe sur Internet offre La Sainte Bible Al-Injil L’Evangile de Jésus Christ gratuit, Bienvenue a La Grâce.

    Arabic Christian Magazine The Grace offering the Arabic Bible النعمة تقدم الإنجيل الكتاب المقدس



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر